فوزي آل سيف

9

سيد الجنة : الإمام الحسن بن علي

ومع ذلك سالم ما كانت أمور المسلمين، فلم يمنع أصحابه من المساهمة بما يستطيعون من تصحيح الاتجاه وتقويم الاعوجاج سواء في السلم علمًا وبصيرة أو في الحرب شجاعة وإدارة بل في سياسة الرعية والبلاد. لكن هذا لا يعني أن نقبل ما نقله مؤرخون من أن الحسنين عليهما السلام قد شاركا في الحروب و(الفتوحات) التي رتبها الخلفاء. لما ذكرنا في موضعه[18]من عدم وجود أدلة على ذلك. وأبعد من ذلك عن الواقع ما ذكره مؤرخون وكتّاب من أتباع النهج الأموي من أن الحسن المجتبى كان عثماني الهوى! وهم بذلك يضربون عصفورين بحجر واحد فهم في نفس الوقت الذي يزكون عثمانَ بكون الحسن على طريقه، يذمون عليّا بزعمهم في أن ابنه خالف سياسته، ورآها خاطئة! وعثماني الهوى هو تعبير مخفف عن "أموي الهوى"! كيف والحسن هو الذي تجهز بعيد شهادة أبيه مباشرة لخوض القتال مع معاوية وأتباعه الامويين، مع كون ظروف الجيش في الكوفة غير مساعدة! وسيأتي حديث مفصل في مواجهته عليه السلام للنهج الأموي. نعم كان الحسن وأخوه الحسين من جملة أشخاص بعثهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمنع الثائرين من قتل الخليفة وانتهاب داره أو الهجوم على عائلته! وفي هذا يتبين سمو الإمام الأخلاقي، فلم يقف موقف المتفرج من ذلك وكان يسعه كما وسع عشرات من الصحابة الموجودين في المدينة، حيث لم يحركوا ساكنًا، مع أن عثمان قد أساء كثيرا لأصحاب الإمام عليّ عليه السلام وآذاهم بالضرب والنفي والتشهير، بل لقد أساء للإمام نفسه ولم يحفظ شأنه كما ينبغي![19] ومع كل ذلك فلم يستغل الإمام فرصة ثورة المسلمين على عثمان بتأجيجها بل حاول قدر الإمكان التوسط بينهم وبين الخليفة، وإصلاح ما يمكن إصلاحه. وفي أسوأ الفروض ألا تجر الأمور إلى اقتحام بيت عثمان وقتله، وفي هذا الإطار بعث الإمام الحسنين وغيرهما لمنع حدوث ذلك. فكان الإمام الحسن عليه السلام وهو في مثل ذلك الوقت بحدود الثلاثين من العمر مؤتمرا بأمر أبيه ومطيعا لما أراده منه. 5/ الحسن في عهد أبيه المرتضى عليهما السلام. كالهيم العطاش ترد الماء البارد، جاء الناس إلى أمير المؤمنين يطلبون منه التصدي للخلافة، ويخبرونه ببيعتهم إياه، وحيث كان الإمام عليه السلام يخشى أن لا يطيعوه إن ركب بهم منهجه الصارم في تطبيق الدين،[20]وكان الازدحام كبيرا حتى لقد وُطئ الحسنان[21]وشُق عطفا أمير المؤمنين، وكان الحسن يمين أبيه

--> 18 ) راجع كتابنا: أنا الحسين بن علي، طبع دار المحجة البيضاء بيروت. 19 ) للاطلاع على بعض كلماته وخطواته تجاههم، يراجع كتابنا: أصحاب النبي محمد / طبع دار المحجة البيضاء بيروت 20 ) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع) (تحقيق صبحي الصالح) ، ص ١٣٦ " دَعُونِي والْتَمِسُوا غَيْرِي - فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً - لَه وُجُوه وأَلْوَانٌ - لَا تَقُومُ لَه الْقُلُوبُ - ولَا تَثْبُتُ عَلَيْه الْعُقُولُ - وإِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ - والْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ -. واعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ - رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ - ولَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وعَتْبِ الْعَاتِبِ ". 21 ) سواء كان بمعني الحسن والحسين أو بمعنى الابهامين وقد فسر بعضهم الكلمة بالأول، لكن ابن أبي الحديد خطّأ هذا التفسير وأصر على أن المقصود هو اصبعا الابهامين.